قصص قصيره - 21 April، 2019

موروث

“موروث”

-انا قلتلك قبل كده، مفيش حاجة هتعملها ممكن تعوضني عن غيابك وتقصيرك ف حقي.
تدلت رأس الأب في خزي وهو يتلقى تلك الكلمات الجارحة من إبنه ثم أردف “أكمل”:
-بس…. في حاجة واحدة ممكن تخليني أرجع أثق فيك، ممكن تصلح ولو شوية من اللي اتهد.

إنتبه “منصف” ورفع رأسه مرة أخرى ينتظر بتحمس أن يكمل “أكمل”.
-أنا عملت غلطة، غلطة بشعة وكنت بسعى أصلحها بس هي…

وقفت “أصيل” على بعد خطوات تستمع بفضول إلى حديثهما، لم تشأ أو تقصد التصنت لكن نقاشهما، بالذات حديث “أكمل” أثار انتباهها وأوقفها دون تحكم منها.

-هي بنت كانت بتشتغل عندي في البيت وانا…إعتديت عليها.

إعتلت الصفرة وجه “منصف” وإتسعت عيناه عن آخرهما في عدم تصديق. فجأة تراءت له مشاهد منذ 24 عامًا عندما كان “منصف” لا يزال طفلًا في الرابعة من عمره، كيف كان وجهه وتصرفاته بريئة للغاية وكيف كان عديم الحيلة وسط الأطفال الأخرى، كان حانيًا وطيبًا للغاية حتى أنه عاد يوميًا بصندوق طعامٍ فارغ وعندما سألوه إذا أكمل طعامه جاوب أنه أعطاه كله لزملائه ولم يذق منه شيئًا ثم تذكر وهو يسلمه إلى أخته التي عاشت بالولايات المتحدة ليسافر ويعيش معها حيث قرر أن يكمل مسيرته العملية ويبني إمبراطوريته دون منغصات ولم يأبه بدموع “أكمل” وبكائه وتوسل أمه “أصيل” أن يعدل عن رأيه ويبقيه معهما..

-إغتصبت؟!
-أيوه! بس بعد كده طلعت من بنات اليومين دول البجحين بتوع حقوق المرأة وبتاع، الخدامة دي عايزه تروح تبلغ عني وترفع قضية ولا هاممها الفضيحة ولا إن الموضوع يتعرف تخيل؟!
-الخدامة دي ضفرها برقبتك!

غلت الدماء بعروق “منصف” وأراد أن ينهال على “أكمل” بالضرب. قام “أكمل” منتفضًا قائلًا:
-انا برده بقول كده لا عمرك كنت ولا هتكون أب، مفيش فايده.
-إقعد!
جلس “أكمل” وقد أخرج زفيرًا طويلًا ثم أردف:

-أنا مش مجرد هاممني مستقبلي ولا المصايب اللي ممكن تحصل لي، انا هاممني إسم العيلة وسمعتها، السعداوية إسمهم متهزش من ساعة ما أسطورتهم بدأت، انا واجبي وأنت كمان نحافظ على الإسم ده، مش لازم يتلوث أبدًا.

إهتزت الصينية والأكواب عليها من فزع “أصيل” والرعشة التي أصابت يدها لكنها عادت وتحكمت بها حتى لا يلتقط أي منهما الصوت ولا يدركا وجودها.

-وإقتراحاتك إيه، إيه اللي ممكن أعمله؟
-ايًا كان، المطلوب عشان الموضوع يتقفل، لحد دلوقتي أهلها منقسمين، في ايه اللي موافق واللي مش موافق إنها تبلغ بس الوقت مش ف صالحنا، البت عنيدة وهتعمل اللي ف دماغها وانا لحد دلوقتي هربان، مش قاعد ف بيتي، لازم تتحرك قبل ما نتفضح.
-يا ريتك ما رجعت!
-إديني رجعت واللي حصل حصل، أدي الله وأدي حكمته.
-متجبيش سيرته!
قام “أكمل” يستعد للإنصراف وقبل أن يبلغ الباب ، إلتفت وقال :
-إعتبره دينك، ومفيش دين مش بيتدفع ولو بعد حين.
وضعت “أصيل” الصينية ثم جرت إلى “منصف” في هلع. علم فور وقوع نظره عليها أنها قد أدركت الأمر وسمعت ما دار بينهما.
-انا طول عمري بكرهك على اللي عملته معايا ومعاه، على إنك فرقتنا عشان أنانيتك والbusiness بتاعك، بس انا اللي بقولك دلوقتي إوعى تطاوعه! إوعى تمشي وراه ، أنا مش مطمنة لآخر الطريق ده، ده مش إبننا، مش “أكمل”، من ساعة ما رجع وعيني جت ف عينه شفت فيها تغيير غريب، شر وحقد، الولد ده مرعب، متسمعوش، يمكن لما ميلاقيش حد يساعده ويدفع تمن اللي عمله يرجع “أكمل” بتاع زمان، مش هيتعلم لو دفنا غلطه!

رفع رأسه وكأنه تنبه إلى شيء، كلمة قالتها حفزت فكرة داخله، حركت مئات السيناريوهات السوداء الشيطانية، “دفنا غلطته”! “الدفن” هو الحل، هو الحل الوحيد وإن إختلفت الطريقة…
***********
إضطر “منصف” إلى إيقاف سيارته بعيدًا عن “البرقوقية” حيث بدت الحارة ضيقة للغاية ولا تتسع لسيارته الضخمة، كما لم يشأ لفت الإنتباه. ترجل منها ومشى مسافات حتى وصل للحارة، دلف إليها وسار حتى العمارة المقصودة ، كانت بائسة وقديمة للغاية، تتكون من طابقين وسطح ضيق، ولم يرى سوى بضع شحاذين وبائعًا متجولًا. لم تتجاوز الساعة الثامنة صباحًا. قال في نفسه ربما يزدحم المحيط إذا ما زحفت الشمس إلى كبد السماء وإستقر النهار لكنه لم يرصد سوى الأب الذي نزل من العمارة وتوجه فيما يبدو إلى عمله ومعه فتاة صغيرة يبدو أنها أختها ترتدي زيًا مدرسيًا وحقيبة ظهر بعد ذلك بنصف ساعة، ثم..لا شيء، لا حركة في المكان، حتى أن الشحاذين لم يتحركوا قط من مواقعهم ليظن المار أنهم جثث هامدة غابت عنهم الحياة منذ زمن!

ذهب “منصف” مرة أخرى اليوم التالي ثم اليوم الذي تلاه وذلك الذي تلاهما وهكذا لسبعة أيام حتى تأكد من روتينهم ومواعيدهم ما عدا الجمعه بالطبع التي إستقر بها الأب والإبنة الصغيرة مع الكبيرة في البيت طوال اليوم.

تلك المرة لم يكتف “منصف” بالوقوف والمراقبة، دلف إلى عتبة البناية و إعتلى درجات السلم في بطءٍ شديد، لم يختبر خوفًا كهذا في حياته بأكملها، كل شق في حيطان البناية المتهالكة بدا وكأنه يحمل شبحًا يترصد له ويراقبه وينتظر اللحظة المناسبة كي ينقض عليه. كيف يعيش أحدهم في هكذا بناية، هذا ما بدر له وهو يحاول أن يشيح بنظره عن الشقوق ولكن هيهات وإن هرب من النظر فما بالك بالرائحة المعتقة والغبار الذي تسلل إلى أنفه ثم صدره وجوانبه، كيف يهرب منهم؟

مد يده وضرب الباب ضربة خفيفة. لم تسمع “فداء” الطرق بالطبع حيث أنه كان خافتًا للغاية . ثم إستجمع شجاعته وضرب بقوة أكبر على الباب. توجهت الفتاة للباب وفتحته فتحة صغيرة.

-أنااا.. آسف.
-مين حضرتك؟
-انا آسف أني جيت من غير ميعاد وآسف على اللي إبني عمله.
بدأت تتنبأ بهويته نظرًا لما يقوله والشبه الكبير بينه وبين “أكمل”.
-أبوكي موجود، عايز أقعد معاه.
-هو مش هنا، عن إذنك.
شرعت في غلق الباب لولا أنه رفع يده مانعًا إياها وهو يقول برجاء:
-اديني 5 دقايق بس من فضلك.
شيء ما في لهجته وعيناه المرهقة دفعها إلى تلبية مطلبه. فتحت الباب وسمحت له بالدخول.
-انا مكسوف حقيقي، انا مكنتش حوالين الولد..
أصدر ضحكة خفيفة قم أكمل:

-قصدي الشحط ده معظم سنين عمره، مربتوش، سبته لعمته تربيه عشان أكبر سلسلة محلات الدهب بتاعة العيلة، وأنافس موجة الجواهرجية العرب والأجانب اللي إجتاحونا ونجحت بس فشلت مع إبني، يعني في المجمل فشلت.

كان مهزوزًا للغاية وامتلأت عيناه بالخجل, تعاطفت “فداء” معه وكادت أن تواسيه.
-حضرتك ملكش ذنب وانا مش بعاديك، إبنك غلط ولازم يدفع التمن وانا مش هسكت ، لا أنا ولا أي بنت تتعرض لده المفروض تسكت، مفيش حاجة عليا ولا حاجة تكسفني وتجيبلي العار، أنا ضحية.. يا أستاذ أنا متعلمة ومتخرجة من كلية تجارة والظروف هي اللي إضطرتني والمفروض كنت بنقي البيوت اللي أخدم فيها، مستوى معين وثقافة معينة وبشكل مؤقت بس للأسف طلعت مش فارقة.

قامت وتوجهت إلى المطبخ كي تحضر له الشاي. إنتظر بضع لحظات ثم لحقها. لف ذراعها حول جسدها ثم مد الذراع الآخر وأغلق فمها وبكل ما أوتي من قوة جرها إلى الغرفة القريبة، وضعها على الفراش ورفع وسادة وأحكمها على وجهها وضغط. كانت فتاة قوية، قاومت بشدة، حركت يدها ووصلت إلى وجهه وجرحته بأظافرها لكنها في النهاية هوت وإستسلمت وسُلمت روحها إلى خالقها.

*************
وجد “منصف” نفسه على أعتاب دوار جده بالشرقية، كان الباب مفتوحًا فدلف…
-أنت هنا؟

نادى “منصف” دون إجابة ثم لمح بطرف عينيه الجد جالسًا على أرضية غرفة من الغرف.

التفت الشيخ إلى “منصف” واومأ مبتسمًا، سامحًا له بالولوج..
جلس متربعًا أمام الجد ، هرب من وجهه في خجل ثم أخيرًا إستقر نظره عليه وبدا أنه على وشك الإعتراف:

-انا خطيت، كل اللي عملته ف حياتي كوم والخطية دي كوم تاني، ساعدني يا جدي، أعمل ايه عشان ربنا يسامحني وأتخلص من عذاب الضمير.
قام الشيخ وهو يمسك بذراع “منصف” ثم جره وراءه إلى غرفة أخرى. أوقفه في منتصف الغرفة ثم أمسك حبلًا مخفيًا جانب الستار وجره حتى “منصف”، لفه حول رقبته والأخير ظل عاجزًا في مكانه دون أي قدرة على التحرك. ثم جلب الشيخ كرسيًا ورفع “منصف” عليه وأبعد الكرسي في حركة سريعة ليختنق بالحبل وتخرج منه الروح..
قام “منصف” فزعًا من النوم وقد تصبب عرقًا حتى بلل الفراش . رفع رأسه في بطء فوجد فتاة تقف على أعتاب السرير تحملق به، كان وجهها مغطى تمامًا بالدماء وأطراف شعرها تقطر الدماء على أرضية الغرفة . أدرك بعدها أن الفتاة ما هي إلا “فداء” أما التقطير فلم يتوقف أبدًا!

تكرر المشهد خلال السنوات، إذا وقع “منصف” في النوم رأى نفسه يذهب إلى دوار جده المتوفى “عبد البارىء السعداوي” ثم يحاول الإعتراف بما فعله ثم يجره الجد إلى غرفة إعدامه ويشنقه وعندما يستيقظ يشاهد شبح التي قتلها يحملق به دون أن يطرف والدماء الطازجة تملأ وجهها وتخفي ملامحها وقطرات الدماء في شعرها تغطي الأرضية.
بالطبع لم يستطع “منصف” الحفاظ على قواه العقلية وبدأ يفقد رشده شيئًا فشيئًا حتى نظر إلى وجهه يومًا في المرآه فوجد صورة مطابقة لشخص رآه منذ سنوات، شحاذ من ضمن الشحاذين الذين أُلقوا على الطريق حول بناية “فداء” في حارة البرقوقية، وكان الشحاذ صامتًا ساكنًا وكأنه جثة هامدة وقد نسى العباد تنحية جسده من الأسفلت ودفنه!

وقد تطور الأمر وأصبح خطيرًا فلم يعد “منصف” يحتفظ بالأمر لنفسه طوال الوقت فصار يلقي كلمات هنا وهناك حتى أنه ذات مرة وفي حضور زوجة “أكمل” الجديدة وعائلتها نظر إلى إبنه وقال وهو يضحك:

-قولي السكة الله يكرمك، قولي قادر تعيش إزاي، بتبص لست تانية وبترمح ف حياتك، أنا مش عارف أتزحزح، انا بموت ف نومي وبتعذب ف صحوي!
وبرغم إحتواء “أكمل” للأمر وشرحه لتداعيات خالة الوالد إلا أنه لمس الخطورة التي شكلها له والده،”مهما يتطلب الأمر”! لم يكن ليسمح لأي شخص وأي شيء يعطل مسيرته وإمبراطورية الجواهر التي إتسعت أكثر من أي وقتٍ مضى.
**********
دخل على والده الذي لم يحرك ساكنًا وحملق في الفراغ أمامه. حرك “منصف” عينيه أخيرًا عندما لمح العصا بيد “أكمل”. فهم على الفور ما انتواه الإبن وإنهالت عليه الضحكات الهستيرية، هذا ما قتل الفتاة لأجله، هذا ما أحضر له العفاريت على مدار السنين وأرق نومه وعذب ضميره وجسده كل ليلة وكل نهار، ليأتي في النهاية ويقتله.
ضربة واحدة كانت كافية لرمي جسد “منصف” وتفجير دماغه وفتح السبل لأنهار الدم التي روت الأرضية وإزهاق روحه.

إهتز محمول “أكمل” فأخرجه من جيبه بيدٍ مرتعشة وأجاب زوجته التي قالت في فرحٍ شديد:
-أنا حامل يا أكمل.

لم يرد عليها وإنزلق المحمول إلى بركة الدماء. إتسعت عيناه وتسارعت دقات قلبه وتحول في تلك اللحظة إلى فرعون، ذلك الذي خشي أطفال بني اسرائيل من الفتيان لأنه علم بقدوم من سيقتله منهم، “أكمل” أيضًا تأكد أن طفله ما هو إلا عدوه وسيأتي يومًا لا محالة يقتله فيه!

لمح أقدام عدة على الساحة فرفع نظره ليجد الجد الكبير”عبد البارىء السعداوي” واقفًا بيده حبل وبجانبه فتاة غطت وجهها الدماء وأخفت ملامحها تحملق فيه وبجانبهما وقف “منصف” بدماغ به شق كبير تسيل خلاله الدماء…

تمت
#موروث

#ياسمين_رحمي

Leave a Reply

Your email address will not be published.