Home مقالات أطول رحلة هروب في التاريخ : 30 سنة ، وما زلت أتخفى !!
مقالات - 13 March، 2019

أطول رحلة هروب في التاريخ : 30 سنة ، وما زلت أتخفى !!

أنا أعمل في مدرسة للتعليم الأساسي
أي أن المدرسة تضم مدرستين في الحقيقة
الأولى إعداية ، وهي المدرسة التي أعمل بها
والأخرى مدرسة ابتدائية
كما تضم المدرسة ( لسوء الحظ ) 3 فصول للحضانة
أنا المدرس الوحيد البدين تقريبا في المدرسة
منذ عدة سنوات كانت المدرسة الإعدادية ( التي أعمل فيها ) مستقلة في مبنى خاص بها
وكان الحال أفضل من ذلك بكثير بالنسبة لي
شيء قاسي جدا أن يعمل بدين مثلي في مدرسة تضم كل هذا العدد من الأطفال
الأطفال هم العدو الأول للبدين ……. هذه هي الحكمة التي علمتني إياها الحياة
لا أعرف هل يولد الطفل مزودا بغريزة اسمها الضحك والسخرية من أي بدين يراه أم أنها غريزة يكتسبها بعد الولادة
كل ما أعرفه أنني حريص جدا على عدم المرور على أي طفل ( أو مجموعة أطفال ) في الشارع
فلكم إذن أن تتخيلوا معاناتي وأنا أعمل في مدرسة فيها مئات الأطفال
أنا أحب التدريس جدا
ولكنهم يفسدون علي هذا الحب
ويجعلونني أكره تلك المهنة الجميلة
هناك عادات معينة وتقاليد مهمة ألتزم بها منها ما يلي :
أولا : عدم الدخول من بوابة المدرسة إلا بعد انتهاء الطابور وصعود التلاميذ إلى الفصول حتى لا أكون هدفا مكشوفا لنظراتهم وإيماءاتهم

ثانيا : يحظر علي النزول إلى دورة المياه إلا خلسة وفي وقت يكون الفناء فيه خاليا من تلاميذ الابتدائي
وإذا كنتم تعرفون إصابتي بمرض السكر فإنه سيكون من السهل عليكم أن تدركوا معاناتي وأنا أقف ساعة أو ساعتيني محاولا اختلاس تلك اللحظة ( الآمنة ) التي يكون الفناء فيها خاليا لأسرع الخطى إلى دورة المياه

ثالثا : يحظر علي ( بالطبع ) زيارة المبنى المجاور الخاص بالمدرسة الابتدائية للسؤال عن أولادي رغم إلحاحهم علي لفعل ذلك

رابعا : ليس مسموحا لي بالانصراف من المدرسة إلا بعد التأكد من أن جميع تلاميذ المدرسة الابتدائية قد غادروا المدرسة وأن الفناء أصبح ( آمنا ) مما يتسبب في بقائي داخل المدرسة لأوقات طويلة جدا غير قادر على الانصراف
بالأمس وصلت إلى المدرسة مبكرا قليلا على غير عادتي
ولسوء الحظ كانت إدارة المدرسة تكرم الطلبة المتفوقين في طابور الصباح
وقفت إلى جانب سور المدرسة حائرا لا أعرف ماذا أفعل
من المستحيل أن أدخل إلى المدرسة إلا بعد انتهاء الطابور
( هكذا قلت لنفسي )
لم أعرف كيف أتصرف
بدأت أدور حول سور المدرسة محاولا استنفاذ هذه الدقائق الطويلة والمملة
وفي هذه اللحظة تذكرت شيئا غريبا
شيئا مضحكا مبكيا
لقد تذكرت أن الزمن يعيد نفسه
وأن هذا الموقف يتكرر في الحقيقة منذ 30 سنة
فمنذ 30 سنة ( وكنت في الصف الثالث الابتدائي ) كنت متعودا أن أقف في نفس المكان تقريبا ولنفس السبب أيضا
حيث كنت أتخفى في هذا المكان متفاديا الذهاب إلى بوابة المدرسة حتى لا يسخر مني بقية التلاميذ

وكنت أظل واقفا في نفس هذا المكان حتى يدق الجرس ويبدأ الطابور
كان هذا المكان وقتها مليئا بالقمامة إلا أنه كان مكاني المفضل
وللأسف ……. بعد مرور 30 سنة
وبعد أن تغير الحال فأصبحت مدرسا لا طالبا
ما زال هذا المكان هو مكاني المفضل للاختباء بعيدا عن العيون
ثلاثييييييييييييييييين سنة ……… وما زلت أتخفى
ولله في خلقه شئون
أحبكم

Leave a Reply

Your email address will not be published.